ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

229

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

والعجب أن هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك ، ولهما من الابتداءات الحسنة ما أذكره . أما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمّورية فقال : السّيف أصدق أنباء من الكتب * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب بيض الصّفائح لا سود الصّحائف في * متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب وهذه الأبيات لها قصة ، وذاك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل النّجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت ، وأفاضوا في هذا ، حتى شاع ، وصار أحدوثة بين الناس ، فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى ، وجعل السيف أصدق من الكتب التي خبّرت بامتناع البلد واعتصامها ؛ ولذلك قال فيها : والعلم في شهب الأرماح لامعة * بين الخميسين لا في السّبعة الشّهب أين الرّواية أم أين النّجوم وما * صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرّصا وأحاديثا ملفّقة * ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب . وكذلك قوله في أول قصيدة يمدحه بها أيضا ، ويذكر فيها خروج بابك الخرمي عليه ، وظفره به ، وهي من أمهات شعره ، فقال : الحقّ أبلج والسّيوف عوار * فحذار من أسد العرين حذار وكذلك قوله متغزلا : عسى وطن يدنو بهم ولعلّما * وأن تعتب الأيّام فيهم فربّما وهذا من الأغزال الحلوة الرائقة ، وهو من محاسن أبي تمام المعروفة . وكذلك قوله في أول مرثية : أصمّ بك النّاعي وإن كان أسمعا * وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا